صديق الحسيني القنوجي البخاري
138
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَمَنْ كَفَرَ النعمة بترك الشكر فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ عن شكره كَرِيمٌ في ترك المعاجلة بالعقوبة بنزع نعمه عنه وسلبه ما أعطاه منها . قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها قيل : إنما أعيد ذكر القول لكون المتعلق مختلفا لكونه أولا ثناء على اللّه ، وثانيا متعلقا بشأن عرشها ، والتنكير التغيير ، وجعل الشيء بحيث لا يعرف ، ضد التعريف ، ومنه نقل إلى مصطلح أهل العربية يقول : غيروا سريرها إلى حال تنكره إذا رأته ، قيل : جعل أسفله أعلاه ، وأعلاه أسفله ، وقيل : غير بزيادة ونقصان ، قاله ابن عباس . قال الفراء وغيره : إنما أمر بتنكيره لأن الشياطين قالوا له : في عقلها شيئا فأراد أن يمتحنها ، وقيل : خافت الجن أن يتزوج بها سليمان فيولد له ولد منها ، فيبقون مسخرين لآل سليمان أبدا فقالوا لسليمان : إنها ضعيفة العقل ، ورجلها كرجل الحمار ، وقيل : أراد سليمان أن يظهر لها أن الجن مسخرون له . نَنْظُرْ أي نعلم قرىء بالجزم على إنه جواب الأمر وبه قرأ الجمهور وقرىء بالرفع على الاستئناف ، قال ابن عباس : لننظر إلى عقلها فوجدت ثابتة العقل أَ تَهْتَدِي إلى معرفته أو إلى الإيمان باللّه أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إلى ذلك . [ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 42 إلى 45 ] فَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَ هكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ( 42 ) وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ ( 43 ) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 44 ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ ( 45 ) فَلَمَّا جاءَتْ بلقيس إلى سليمان قِيلَ لها والقائل هو سليمان أو غيره بأمره : أَ هكَذا عَرْشُكِ الذي تركته في قصرك ، وأغلقت عليه الأبواب ، وجعلت عليه حرسا ، والهمزة للاستفهام ، ولم يقل : ( هذا عرشك ) لئلا يكون ذلك تلقينا لها فلا يتم الاختبار لعقلها . قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ أي : فأجابت أحسن جواب ، فلم تقل : هو هو ، ولا ليس به ، وذلك من رجاحة عقلها حيث لم تقع في المحتمل للأمرين . قال مجاهد : جعلت تعرف وتنكر ، وتعجب من حضوره عند سليمان فقالت : كأنه هو ، وقال مقاتل : عرفته ولكنها شبهت عليهم كما شبهوا عليها ، ولو قيل لها : أهذا عرشك ؟ لقالت نعم . وقال عكرمة : كانت حكيمة ، قال : إن قلت : هو خشيت أن أكذب ، وإن قلت : لا خشيت أن أكذب فقالت : كأنه هو .